دكان الحواديت

5- قصة ملاك “إذا أخفقت نزلت.. وإذا أحسنت ارتقيت”

لمتابعة الأجزاء السابقة اضغط هنا الجزء الأول , الثاني, الثالث, الرابع

كتب وليد السيد

ظل الملاك بعد هذا حديثه مع الرسول واجماً لأيام طويلة، شارد العقل والروح، خوفه من الفشل غلب عليه وشل تفكيره ، وسيطر عليه سؤال واحد، ماذا سيحدث له لو فشل، ما هي العواقب وماذا بعد الحساب، شغل نفسه بالغيب وترك الواقع. لم يفق من غفلته إلا عندما آتاه هاتف بالصلاة، فاستغفر وانكفأ يصلي. صلي وأخلص في الصلاة كما لم يصلي من قبل حتي هدأ روعه، لكن ظل السؤال ملحاً في ذهنه، وماذا بعد؟
اقترب من الجدار في ثقل ووضع يده عليه، علّ الجدار يشف له شيئاً ، استرق السمع لأحاديث أهل الأرض وسمع بعضهم يتحدثون ليوم الحساب والحياة الآخرة والثواب والعقاب وارتاع عند سماعه عن الجنة والنار. أهذه عاقبة الأمور!؟ هل هذه نهاية أهل السماء مثلهم مثل أهل الأرض. مستحيل – هكذا حدث نفسه محاولاً أن يطمئن روحه – نحن لا نكذب ولا نخون ولا نداهن ولا نأتي ما حرم الله ولا نعصي له أمراً، أيكون مصيرنا مثل من إرادته ملك يمينه وله حق الاختيار، مستحيل.. لماذا لم يخبرني الرسول عن الحياة الآخرة؟ وهل حدثنا الله عنها يوم العرض الأول ولكن حجب هذا المشهد من الذاكرة أيضاً؟ أهو أمر متروك للاجتهاد ليختبر الله صدق إيماننا؟ عشرات من الأسئلة أرهقت عقله وروحه وعجز عن إيجاد إجابات مقنعة لها. هام بوجهه في الفضاء وعلق بصره بالسماء مستجدياً متسائلاً طامعاً في أجوبة تريح روحه المرهقة، ظل أياماً علي هذا الحال بين مناجاةٍ وصلاةٍ واستراق السمع لأحاديث البشر عبر الجدار ، عله يفهم ما هي الحياة الآخرة، وسمع بعضهم يرددون ما ادَّعوا أنه كلام الله المقدس، بعضه إفتراء علي الله بلا شك وبعضه صدق، فهو بحكم خلقه قادر علي استشفاف الصدق من الكذب، وتعجب كيف تجرأ بعضهم وأفتروا علي الله كذباً، لكنه تعجب أكثر من صدق العقيدة وقوة الإيمان في قلوب بعضهم الآخر وتمني أن يعبد الله ويحبه مثلهم. بعد متابعة طويلة لعالم البشر لفت انتباهه ان كل منهم له هدف في الحياة يحيا من أجله، بعضها عظيم والبعض سفيه. وهنا سأل نفسه ما هدفه في الحياة. هل هدفه هو مجرد التدوين وفقط. لا يجد إجابة أخري.. لا يعرف شيئاً في الحياة سوي هذا الجدار . اذا كان الأمر كذلك ، ما الفارق الذي يحدثه إذا أجاد أو أخفق. خطر له أن يكتب علي الجدار بخط كبير “ما هو هدفي في الحياة”. وعندما بادر بالاقتراب من الجدار ، في التو هبط عليه الرسول في الحيّز الضيق بينه وبين الجدار في سرعة بارقة أخافته وردته للوراء واقعاً علي ظهره في عنف. قام مطأطئاً ،موقناً بحماقة فكرته، ووقف أمام الرسول في خجل، حتي الاعتذار لم يجرؤ عليه. ظل الصمت سائداً لمدة طويلة حتي ظن الملاك أن لن يتحدثا. وبعد صمت طويل قال الرسول في هدوء “مدهش.. هذا كان أسرع مما توقعت”. لم يمهل الملاك ليرد وأكمل قائلاً ” لا شك أنك فعلاً مختلف، بالإضافة لكونك موهوب ومبدع وأخذت التدوين لمستوي لم أراه من قبل، فأنت أيضاً تفكر في المستقبل .. لم أشهد هذا من قبل. فعادة الموهوبون مثلك قلة قليلة منهم تتساءل عن المستقبل مع دنو آجال الأشخاص الموكلون بهم أو بعد أن توافيهم المنية يسألون ماذا بعد. أما أنت فقد ألح عليك السؤال مبكراً، أنا حقاً مندهش. لا شك أن خلقك مختلف، عندما اطلعت علي ما سردته علي الجدار أيقنت أنك مختلف وأنك وكلت علي شخص ذو شأن ، لكن لم أتوقع هذا التطور السريع والمخيف. لا تنسي ما خلقت من أجله وكان أول كلمة نطقت بها “الجدار” وإتقانك لعملك هو عبادة وإبداعك فيه هو حب وقرب لله، لا تفقد بوصلتك وضع قلبك علي درب الله
قال الملاك في انكسار ” لماذا لا تقول لي كل شيء، لماذا تتركني وحيداً في بحر عميق من الأسئلة والأفكار”
– ما أنا إلا رسول، لا أقول إلا ما يوحي إليّ . بعض الإجابات عندي، وبعضها ستجيب عنها الأيام، وكثيرها ستكتشفها بنفسك ويقنع بها قلبك
– ولماذا يتركنا الله عرضة للريب والشكوك؟
– هكذا يميز الله إخلاص القلوب
 – وماذا إذا أخفقت؟
– إذا أخفقت نزلت.. وإذا أحسنت ارتقيت
– ماذا يعني هذا؟
– إذا لم تحسن استخدام موهبتك ستفقدها وتنزل لمرتبة العاديين وتؤدي أعمال روتينية، أو ربما تنزل للأرض لتحرس الأطفال والضعفاء أو لتقوم بدور الصدفة لتنفذ مشيئة الله في خلقه. واذا أحسنت ارتقيت لدرجة أعلي وأخذت دور أهم في الحياة وزاد قربك لنور السماء
– وماذا إذا اجتهدت ولَم أوفق
– الأعمال بالنيات، أذا أحسنت النية وأخلصت في العمل فاجتهادك محمود حتي لو أراد الله عدم التوفيق، لكن عليك الحذر أين تضع قلبك . إذا كان عملك من أجل الإرتقاء سترتقي، وإذا كان عملك حباً في الله فجزاؤك ومقامك أعظم
– أنا مرتبك ولا أفهم.. لماذا يضعنا الله في هذا الامتحان الصعب؟
– هكذا يمحص الله المخلصين من عباده والمتفانين في حبه
– هل لي أن أراه؟
– لم ولن يراه أحد
– ألا ينزل عن عرشه ليتفقد عباده؟
– تعالي أن ينزل وهو الجليل الصمد. الكل يدور في فلكه وهو الصامد في العلا. تتنزل رحماته وبركاته علي عباده وهو المتعالي لا يحرك ساكناً – صمت برهة ثم أكمل – لا تقلق فأنت بين يديّ العادل الكريم، لا يظلم أحد ولا يبخل برحمته علي أحد. ضع قلبك علي دربه ولن يخذلك أبداً.. واصبر فالصبر من خصال المؤمنين
تابعونا الأسبوع القادم وجزء جديد من “قصة ملاك”
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
إغلاق