دكان الحواديت

قصة ملاك – رحلة خيالية في معرفة الخالق – الجزء الثاني

الجزء الثاني - الإجتماع

لمتابعة الجزء الأول اضغط هنا

كتب وليد السيد

نقش بقلمه تفاصيل كثيرة عن حياة هذا الشخص قبل أن يخلق من أوقات شقاء وسعادة ومواقف حلوة ومريرة وصراعات هزلية وجادة ولحظات الحب واليأس حتي مشاعر الفرح والغضب. ربط مواقف حياته كلها بتداخلاتها مع حياة الآخرين في براعة شديدة لم يدركها وقتها حتي زاره الكبير فجأة، فتوقف عن العمل وتنحي عن الجدار في أدب. وقف الكبير يتأمل نقوشه في دهشة لمدة طويلة وأخيراً التفت نحوه قائلاً “كيف فعلتها، لم أري براعة وإبداع مثل ذلك من قبل”. قال الملاك متعجباً “أحقاً .. أعجبك عملي.. لا أدري كيف حدث هذا، لقد أصبحت مرتبطاً بهذا الشخص جيداً، أفكر دوماً في بيئته ومجتمعه وأهله وتسلسل الأحداث قبل ولادته وأحاول ربطها جميعاً في نسق مفهوم”. قال الكبير ” هذا مدهش.. أنت حقاً موهوب ولك مستقبل واعد، لم أري أحداً يبدع مثلما فعلت.. استمر” وهم بالانصراف. سأله الملاك “هل تعلم متي يأتي هذا الشخص للحياة، أعلم تاريخ ولادته لكن لا أفهم متي يكون ذلك؟” رد الكبير ” هناك أمور لا يعلمها إلا الله، لا ترهق روحك بالتفكير بها” وتركه وحلق بعيداً. استمر الملاك في النقش والتدوين بحماس وشغف. كان يكتب ويربط الأحداث بانسيابية وسهولة، وكان قلمه يطاوعه وكانت خطوطه تستجيب لحناياه في يسر والجدار كان كصفحة الماء دون مقاومة، كان بارعاً فعلاً في عمله. بعدما انتهي من الجزء الأدني من الجدار حاول الارتقاء بجناحيه لينقش علي الجزء الاعلي لكن لم تسعفه جناحيه ولم تقو علي حمله لأعلي. حاول مراراً التحليق دون جدوي. تعجب كيف يفعلها آلاف الملائكة حوله في هذا الفضاء الفسيح بسهولة وهو عاجز. وعندما بلغ اليأس ذروته وأصابه الذعر ، تذكر الله ، فأخذ يصلي واستمرت صلاته سنة كاملة حتي جاءه هاتف أوحي له أن يستخدم قلمه لصنع درجات يصعد عليها لأعلي. القلم الذي يحفر في الصخر باستطاعته أيضاً أن يبني من الصخر. بعدها تعلم أن يرسم علي الجدار نقوش بارزة وأصبحت نقوشه مجسمات ثلاثية الأبعاد عبرت بإتقان وابداع حياة هذا الشخص الذي لم يولد بعد.

عندما زاره الكبير مرة أخري، وقف مشدوهاً أمام الجدار الذي أصبح لوحة فنية مجسمة لم يري مثلها من قبل. وبعد أن ظل الكبير جامدا لأياماً طويلة أمام الجدار، التفت للملاك قائلاً “عليك أن تحضر الاجتماع القادم.. سيأتيك الوحي بالموعد والمكان” وحلق وانصرف في هدوء تاركاً الملاك غارقاً في حيرته. ذهب للاجتماع كما أوحي له، وجد عدد غفير من الملائكة مصطفين بانضباط. أخذ مكانه في هدوء وجال بنظره في الحشد الضخم. كان أن شهد حشداً أضخم من هذا يوم العرض لكن كان ناظره وقتها معلق بنور السماء ولم يلتفت لأحد، وتساءل هل كل هؤلاء مبدعين وموهوبين؟ ظن أنه مختلف وفريد بعد ثناء الكبير علي عمله. وعندما تمعن في النظر وجد أن لا أحد يشبه الآخر في الشكل والحجم واللون وكأن الله عزم علي ألا يخلق شيئاً مرتين. شعر بضآلته أمام هذا الإبداع وأخذ يصلي في صمت. فاق من صلاته علي صوت الكبير هاتفاً ” الآن يبدأ الاجتماع .. تعارفوا حتي يأتيكم هاتف بالانصراف” وتركهم ورحل. تعجب، أهذا كل شيء. تم حشد كل هذا الجمع من أجل التعارف. وقف يراقب ماذا يفعلون، وجد كل مجموعة قريبة من بعدها تشكل حلقة صغيرة ويتجاذبون أطراف الحديث لبرهة، ثم ينصرفون في اتجاهات مختلفة ويشكلون حلقات جديدة مع آخرين وهكذا. لم يراقب طويلاً وانضم لأقرب حلقة له وبدأ كل من في حلقته يشرح عمله. كانوا جميعاً كتبة مدونون وان اختلفت مهامهم تماماً، فهذا يدون حياة حيوان وما مر به من لحظات ضعف وعنف وهذا يدون حياة شجرة وتعاقب الأجيال عليها ويحكي في حماس عن عطاءها وكيف وفرت الظل والثمر والمأوى والخشب والحطب بدون مقابل وما شهدته من قصص الحب والكفاح والتصالح والعراك، وهذا يدون حياة نهر وانبهر كثيراً من حماسه وهو يسرد ما شهده النهر من أفراح وأحزان وحروب وصراعات وتنمية وبناء وجفاف وازدهار وكيف أثر في حياة ملايين من المخلوقات التي عاشت في واديه. لكن اكثر ما استوقفه هو ذلك المجهد الذي يدون حياة كتاب ، وسأله “لم أكن أعلم ان للكتب حياة تروي وتوثق”، فرد عليه قائلاً “ليس كل الكتب.. كتابي هذا مختلف فقد تمت كتابته في ستين عام وتعاقبت عليه ثلاثة أجيال، توارثوا كتابته، وبسببه دست فتن وقامت حروب وسالت أنهار من دماء الأبرياء. قالها وصمت بطريقة توحي بعدم رغبته في الحديث. يبدو ان ما حدث بسبب هذا الكتاب أجهده حقاً. لم يستطع ان يقاوم فضوله وسأله ثانية ” وما الحكمة من توثيق حياة كتاب وهو لن يحاسب” ، رد عليه قائلاً ” لأنه أثر في حياة الكثيرين، كل له تاريخه وحياته والكتاب هو الشيء الوحيد القادر علي الجمع بينهم وسرد تداخلات حياتهم وأقدارهم.
عندما خرج من الاجتماع، أصبح يفكر بطريقة مختلفة تماماً وأدرك أن نظرته للأمور يحب أن تكون أوسع وأشمل ، وقرر أن يعيد كل عمله ويبدأ من جديد.

تابعونا الأسبوع القادم وجزء جديد من قصة ملاك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
إغلاق